اسباب انسحاب بوتين من سوريا

تعليقاً على الانسحاب الجزئي المفاجئ للقوات العسكرية الروسية من سوريا، وصفت مجلة “إيكونوميست” البريطانية، في افتتاحيتها المنشورة على موقعها الإلكتروني اليوم الجمعه، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه “صانع سلام”، إذ يبدو أن الرئيس الروسي يتحول من القوة المفرطة إلى الدبلوماسية.
نجح بوتين في مفاجأة الجميع وتركهم يطرحون التساؤلات ويطلقون التكهنات إزاء نواياه الحقيقة وخطواته المقبلة.
استهلت الافتتاحية بالإشارة إلى أنه ليس ثمة شيء يميل إليه بوتين أكثر من مفاجأة الجميع وأخذهم على حين غرة بقراراته، للدلالة والتأكيد بقوة على أن بلاده “لاعب مستقل” في الساحة العالمية، ويجب أن يتم التعامل معها بجدية.
مفاجأة الجميع
ومن ثم فإن إعلان الكرملين بالانسحاب الجزئي لقواتها العسكرية من سوريا، يوم 14 مارس (آذار) الجاري، يبعث برسالة مفادها أن الأهداف العسكرية الروسية قد تحققت، وأن الوقت حان لدعم محادثات جنيف 3 للسلام في سوريا، إذ كان من المقرر أن تستأنف تلك المحادثات في اليوم ذاته.
ولكن الأفضل من ذلك بالنسبة إلى بوتين، كما ترى المجلة، أنه نجح في مفاجأة الجميع وتركهم يطرحون التساؤلات ويطلقون التكهنات إزاء نواياه الحقيقة وخطواته المقبلة.
الهدنة الهشة
وتلفت إيكونوميست إلى أربعة أمور يمكن استنتاجها من السلوك الذي ينتهجه الرئيس بوتين، أولها أن روسيا لا تسحب قواتها بشكل كامل من سوريا؛ إذ إنها ستحتفظ بقاعدتها البحرية في طرطوس، وستبقي 12 على الأقل من المقاتلات السريعة في قاعدة جوية قرب اللاذقية. إلى ذلك، سيتم الابقاء على حوالي 1000 شخص من المستشارين العسكريين والقوات الخاصة، فضلاً عن إبقاء نظام الدفاع الجوي (S-400) الذي يغطي شمال غرب البلاد، وذلك حتى تتمكن روسيا من التدخل سريعاً، إذا انهارت الهدنة “الهشة” التي فرضتها مع الولايات المتحدة الشهر الماضي.
أما في الوقت الراهن، فإن روسيا تعمد إلى خفض كلفة عملياتها العسكرية التي تُقدر بنحو ثلاثة ملايين دولار يومياً، وفي الوقت نفسه لا تزال روسيا تحتفظ بالكثير من النفوذ الذي دفعت ثمنه بالفعل.
إدعاء بوتين
أما الامر الثاني فهو أن إدعاء بوتين “بتحقيق قواته مهمتها الرئيسية في سوريا” قد انكشف، إذ تلاشت محاولات تصوير التدخل الروسي كأنه يستهدف أساساً ضرب تنظيم داعش الإرهابي، علماً أنه كان بغية الحفاظ على النظام “الإمبريالي” للرئيس بشار الأسد “الديكتاتور”، كما وصفته المجلة، لاسيما أن الغارات الجوية التي نفذتها المقاتلات الروسية منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي (حوالي 9000 غارة) قد غيرت التوازن العسكري وجعلته في مصلحة نظام الأسد.
وتنقل المجلة تصريحات وزير الدفاع الروسي التي تتفاخر بأن “قواته قد ساعدت النظام السوري على استعادة السيطرة على أكثر من 400 منطقة مأهولة بالسكان ونحو 4000 ميل مربع من الأراضي السورية”.
تراجع بشار الأسد
ومع أن الحفاظ على النظام السوري كان هدفاً لروسيا، تلفت المجلة الى أنه بات واضحاً الآن أن الرئيس بوتين لم يكن يميل الى منح بشار الأسد ذلك الشيك على بياض عسكرياً لاستعادة كل أنحاء سوريا أو حتى معظمها. ويبدو أن تصاعد تصريحات الأسد خلال الاسابيع الأخيرة وإحجامه عن المشاركة بجدية في محادثات السلام “جنيف3″، التي ترعاها الأمم المتحدة، كان السبب في تراجعه لدى الكرملين.
وحول ما إذا كان ذلك يعني، كما يقترح البعض، أن الرئيس بوتين على استعداد للتخلي عن بشار الأسد طالما أنه سيشارك في اختيار خليفه، قالت إيكونوميست: “أن التداعيات لا تزال غير مؤكدة، ولكن يُعد ذلك بمثابة تنبيه لبشار الأسد لكي لا يتجاوز حدوده ويتصرف مثل القادة”.
ملامح تقسيم سوريا
ونظراً إلى مناقشة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف احتمالية اللجوء إلى النظام الفيدرالي في سوريا، باعتباره السبيل الوحيد لتحقيق السلام، ترى المجلة أن التفسير الثالث لتصرفات بوتين يتمثل في أن الخطوط العريضة لفكرة التقسيم، التي ستكون مقبولة لدى روسيا، باتت واضحة فعلاً.
وترسم المجلة ملامح هذا التقسيم قائلة: “الأقلية العلوية التي ينتمي إليها بشار الأسد، مدعومة من روسيا وإيران، سوف تسيطر على المنطقة في الغرب، تقريباً من اللاذقية في الشمال وصولاً إلى دمشق في الجنوب، وسيتم إنشاء منطقة حكم ذاتي للأكراد السوريين في الشمال الشرقي ويُطلق عليها (روج آفا)، أما بقية البلاد فستُترك للمعارضة السنية التي سوف تدعمها القوات الجوية الغربية والروسية في طرد تنظيم داعش الإرهابي من معقلها في الرقة”.
ولكن تضيف المجلة “مع الأسف، لا تدعم الحقائق على أرض مثل هذا الحل البسيط. وهناك العديد من العقبات التي تعترض طريق مثل هذا التقسيم ومنها أن بعض المدن الكبرى مثل حلب لا تزال تشهد تنافساً؛ لاسيما أن القوات الموالية لنظام بشار الأسد قامت خلال الأسابيع القليلة الماضية بمحاصرة حلب”.
خسائر إيران
أما التفسير الرابع برأي المجلة فيتمثل في أن المستشارين العسكريين الروس والإيرانيين، على الأرجح، لا يثقون كثيراً في قدرة كل من الجيش السوري الذي انهكته خمس سنوات من الصراع، والميليشيات الشيعية، لشن هجوم ناجح ضد المدينة التي يتم الدفاع عنها باستماتة، فضلاً عن أن الإيرانيين يسحبون بهدوء بعضاً من أفرادهم العسكريين بسبب تصاعد خسائرتهم.
وتختتم مجلة إيكونوميست “لا يزال الوقت مبكراً لاكتشاف تداعيات كل ما سبق على محادثات جنيف 3 للسلام التي يقودها ستافان دي ميتسورا مبعوث الأمم المتحدة في محادثات السلام؛ إذ لا يزال الخلاف مستمراً بين إيران والسعودية، كما اشتدت ضراوة الصراع بين تركيا والأكراد. إلى ذلك، وعلى الرغم من الرسالة الضمنية التي وجهها بوتين الى كل من بشار الأسد والمعارضة بأنه ليس في إمكان أي منهما الحصول على كل ما يريد، لا تلوح في الأفق أي إشارات من الطرفين تدل على الاستعداد لتقديم تنازلات”.

 

القسم : أخبار العالم
الكلمات الدلالية : , , , ,
share
  • تعليقات الفيس بوك
  • اختيارات المحرر
  • أخبار العالم